ابن أبي الحديد
236
شرح نهج البلاغة
وإن المسلمين قد أجلوا هذين القاضيين إلى انسلاخ شهر رمضان ، فإن رأيا تعجيل الحكومة فيما وجها له عجلاها ، وإن أرادا تأخيرها بعد شهر رمضان إلى انقضاء الموسم فذلك إليهما ، وإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب ، ولا شرط بين الفريقين ، وعلى الأمة عهد الله وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب ، وهم يد على من أراد فيه إلحادا وظلما ، أو حاول له نقضا ، وشهد فيه من أصحاب علي عشرة ، ومن أصحاب معاوية عشرة ، وتاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين ( 1 ) . * * * قال نصر : وحدثنا عمرو بن سعيد ، قال : حدثني أبو جناب ، عن ربيعة الجرمي ، قال : لما كتبت الصحيفة دعي لها الأشتر ، ليشهد مع الشهود عليه ، فقال : لا صحبتني يميني ولا نفعني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة ، أولست على بينة من أمري ويقين من ضلالة عدوي ، أولستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور ! فقال له رجل ( من الناس ) ( 2 ) : والله ما رأيت ظفرا ولا خورا ، هلم فاشهد على نفسك ، وأقرر بما كتب في هذه الصحيفة ، فإنه لا رغبة لك عن الناس ، فقال : بلى والله ، إن لي لرغبة عنك في الدنيا للدنيا ، وفي الآخرة للآخرة ، ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي بخير منهم ، ولا أحرم دما . قال نصر بن مزاحم : الرجل هو الأشعث بن قيس ، قال : فكأنما قصع ( 3 ) على أنفه الحميم ثم قال : ولكني قد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين ، ودخلت فيما دخل فيه ، وخرجت مما خرج منه ، فإنه لا يدخل إلا في الهدى والصواب .
--> ( 1 ) وقعة صفين 585 - 586 . ( 2 ) من صفين . ( 3 ) القصع : الدلك والضرب . وفي صفين والطبري ( 6 : 30 ) : " الحمم " .